حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

108

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

ربا لا يخرج شيء من ملكوته منعما على الخلق بأنواع النعم - جلائلها ودقائقها - مالكا للأمر كله في العاقبة ، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بغاية الخضوع والاستعانة في المهام ، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل « إياك » يا من هذه صفاته نخص بالعبادة والاستعانة ، ليكون الخطاب أدل على أن العبادة له لذلك التميز الذي لا تحق العبادة إلا به . ومنها أن الدعاء بالحضور أولى كما أن الثناء في الغيبة أوقع وأحرى ، وهكذا فعل الأنبياء عليهم السلام رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [ الأعراف : 23 ] رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً [ الشعراء : 83 ] رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] رَبِّ أَرِنِي [ الأعراف : 143 ] رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ [ الأنبياء : 89 ] ومنها أنه إذا شرع في الصلاة نوى القربة فأثنى على اللّه بما هو أهله ، فاستجاب اللّه دعاءه في تحصيل تلك القربة ونقله إلى مقام الحضور من مقام الغيبة . الثامنة : اعلم أن المشركين طوائف ، منهم من اتخذ إلهه من الأجسام المعدنية كالحجر والذهب والفضة والنحاس ، ومنهم من اتخذه من النبات كالشجر المعين ، ومنهم من اتخذه من الإنسان كعبدة المسيح وعزير ، ومنهم من اتخذه من الأجسام البسيطة ، إما السفلية كعبدة النار وهم المجوس ، أو العلوية كعبدة الشمس والقمر وسائر الكواكب . ومنهم من قال : مدبر العالم نور وظلمة وهم الثنوية ، ومنهم من قال : الملائكة عبارة عن الأرواح الفلكية ولكل إقليم روح من الأرواح الفلكية يدبره وكذا لكل نوع من أنواع هذا العالم ، فيتخذون لتلك الأرواح صورا وتماثيل ويعبدونها وهم عبدة الملائكة . ومنهم من قال : للعالم إلهان ، أحدهما خير وهو اللّه ، والآخر شرير وهو إبليس . إذا عرفت ذلك فنقول : قد مر أن « الحمد للّه » يتضمن التسبيح له وسائر الصفات منبئة عن سبب إثبات جميع أنواع « الحمد للّه » « وإياك نعبد » يدل على التوحيد المحض والبراءة من كل ما يعبد من دون اللّه ، وأن اللّه أكبر من جميع المعبودين ، فيقوم مقام قوله « لا إله إلا اللّه واللّه أكبر » « وإياك نستعين » يدل على قوله « لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم » فثبت أن سورة الفاتحة مشتملة إلى هنا على الذكر المشهور « سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم » . العاشر في فوائد قوله « اهدنا الصراط المستقيم » . الأولى : سئل أن طلب الهداية من المؤمن وهو مهدي تحصيل للحاصل . وأجيب بأن المراد منه صراط الأولين في تحمل ما يشق ، وكان تحمل المشاق العظيمة لأجل مرضاة اللّه تعالى . يحكى أن نوحا عليه السلام كان يضرب في كل يوم مرات بحيث يغشى عليه وكان